محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
33
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
فيقولون : ضرب زيدا عمرو ، فيقدمون المفعول على الفاعل ؛ لأن الاهتمام بأمره أتم ؛ لأن هذا ينفي منه ما فيه وهم متوهم ، أو قول قائل : ضرب محمد زيدا ، فيقع الخلاف في المفعول لا في الفاعل ، فيقول المنكر لذلك المثبت صحة ما عنده : ضرب عمرا زيد لا محمدا ، فإن ترك قوله : لا محمدا كان مكتفيا عنه بتقديم المفعول ، وكذلك ما ينكره من الفضلات كالظرفين والحال ، فقال المخاطب إذ توهم : ضرب زيد عمرا اليوم ، فقال المنكر : ضرب أمس زيد عمرا ، فقدم أمس على الفاعل والمفعول به ؛ لأنه هو الذي ينكره ويمنع أن يكون على ما توهمه ، والباقي من الكلام ليس فيه ما يستنكره ، فالعناية بتقديم ما يزيل الشك عنه أتم ، وهو بالتقديم أحق فذلك قوله تعالى : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ مع قوله : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ في الآي الثلاث . الآية السادسة عشرة قوله عز وجل : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » وقال في سورة الأنعام « 2 » : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال في سورة النحل « 3 » : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . للسائل أن يسأل فيقول : هل لاختلاف الألفاظ التي اتبعت قوله : اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ معنى يخصص كل مكان باللفظ الذي اختص به ؟ . الجواب أن يقال : قصد اللّه تعالى في المواضع الثلاثة أن يبين للمضطر ما له أن يتناول من المحرم الذي يمسك به رمقه « 4 » ، فذكر في الموضعين الآخرين فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فكان تعريضا بمغفرته لمن اضطر إلى تناول المحرم في حالته ، فالموضع الأول بدأ فيه بصريح اللفظ بإسقاط الإثم ، فقال : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ثم عقبه بما اتصف به من المغفرة والرحمة ، وفي هذه الآي الثلاث سؤال آخر وهو أنه قال في الأولى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفي الثانية فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفي الثالثة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فهل لاختصاص الأول والأخير بذكر اللّه تعالى فائدة ،
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 173 . ( 3 ) الآية : 115 . ( 2 ) الآية : 145 . ( 4 ) الرمق : بقية الروح .